الشيخ الأميني

192

الغدير

الطاهرة بنص آية التطهير عن هذه الخزاية ، فلم يبق إلا شق ثالث وهو : إنها كانت تتهم الراوي ، أو تعتقد خللا في الرواية ، وتراه حكما خلاف الكتاب والسنة ، وهذا الذي دعاها إلى أن لاثت خمارها على رأسها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله ، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة ، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ، وارتج المجلس ، ثم مهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم ، وهدأت فورتهم ، افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله . ثم قالت ما قالت وفيما قالت : أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا ، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ يا بن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والوعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون . ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلى الله عليه وآله فقالت : قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب فليت بعدك كان الموت صادفنا * لما قضيت وحالت دونك الكثب ( 1 ) وهذا الذي تركها غضباء على من خالفها وتدعو عليه بعد كل صلاة حتى لفظت نفسها الأخيرة صلى الله عليها كما سيوافيك تفصيله . وهل هذا الحكم مطرد بين الأنبياء جميعا ؟ أو أنه من خاصة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ؟ والأول ينقضه الكتاب العزيز بقوله تعالى : وورث سليمان داود - النمل 16 - وقوله سبحانه عن زكريا : فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب - مريم 6 - . ومن المعلوم أن حقيقة الميراث انتقال ملك الموروث إلى ورثته بعد موته بحكم المولى سبحانه ، فحمل الآية الكريمة على العلم والنبوة كما فعله القوم خلاف الظاهر لأن النبوة والعلم لا يورثان ، والنبوة تابعة للمصلحة العامة ، مقدرة لأهلها من أول

--> ( 1 ) بلاغات النساء لابن طيفور ص 12 ، شرح ابن أبي الحديد 4 : 93 ، أعلام النساء 3 : 1208 .